عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
88
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
وجَعَلُوا لَه مِنْ عِبادِه جُزْءاً إِنَّ الإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) * ( وَجَعَلُوا لَه مِنْ عِبادِه جُزْءاً ) * متصل بقوله : * ( ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ) * أي وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف من عباده ولدا فقالوا الملائكة بنات اللَّه ، ولعله سماه جزءا كما سمي بعضا لأنه بضعة من الوالد دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته ، وقرأ أبو بكر « جزؤا » بضمتين . * ( إِنَّ الإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ) * ظاهر الكفران ومن ذلك نسبة الولد إلى اللَّه لأنها من فرط الجهل به والتحقير لشأنه . أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) * ( أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ) * معنى الهمزة في * ( أَمِ ) * للإنكار والتعجب من شأنهم حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له جزءا حتى جعلوا له من مخلوقاته أجزاء أخس مما اختير لهم وأبغض الأشياء إليهم ، بحيث إذا بشر أحدهم بها اشتد غمه به كما قال : * ( وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ) * بالجنس الذي جعله له مثلا إذ الولد لا بد وأن يماثل الوالد . * ( ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا ) * صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة . * ( وهُوَ كَظِيمٌ ) * مملوء قلبه من الكرب ، وفي ذلك دلالات على فساد ما قالوه ، وتعريف البنين بما مر في الذكور ، وقرئ « مسودّ » و « مسوادّ » على أن في * ( ظَلَّ ) * ضمير المبشر و « وجهه مسود » جملة وقعت خبرا . أَومَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ويُسْئَلُونَ ( 19 ) * ( أَومَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ ) * أي أو جعلوا له ، أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات . * ( وهُوَ فِي الْخِصامِ ) * في المجادلة . * ( غَيْرُ مُبِينٍ ) * مقرر لما يدعيه من نقصان العقل وضعف الرأي ، ويجوز أن يكون من مبتدأ محذوف الخبر أي أو من هذا حالة ولده و * ( فِي الْخِصامِ ) * متعلق ب * ( مُبِينٍ ) * ، وإضافة * ( غَيْرُ ) * إليه لا يمنعه لما عرفت . وقرأ حمزة والكسائي وحفص ينشّأ أي يربي . وقرئ « ينشأ » و « يناشأ » بمعناه ونظير ذلك أعلاه وعلاه وعالاه بمعنى . * ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) * كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم ، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على اللَّه تعالى أنقصهم رأيا وأخسهم صنفا . وقرئ عبيد وقرأ الحجازيان وابن عامر ويعقوب « عند » على تمثيل زلفاهم . وقرئ « أنثا » وهو جمع الجمع . * ( أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ) * أحضروا خلق اللَّه إياهم فشاهدوهم إناثا ، فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكم بهم . وقرأ نافع أشهدوا بهمزة الاستفهام وهمزة مضمومة بين بين ، و « ءاأشهدوا » بمدة بينهما . * ( سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ) * التي شهدوا بها على الملائكة . * ( ويُسْئَلُونَ ) * أي عنها يوم القيامة ، وهو وعيد شديد . وقرئ « سيكتب » و « سنكتب » بالياء والنون . و « شهاداتهم » وهي أن للَّه جزءا أو أن له بنات وهن الملائكة ويساءلون من المساءلة . وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 ) أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِه فَهُمْ بِه مُسْتَمْسِكُونَ ( 21 ) * ( وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ) * أي لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم فاستدلوا بنفي مشيئة عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها ، وذلك باطل لأن المشيئة ترجح بعض الممكنات على